أحمد بن علي القلقشندي

479

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فليباشر هذه الوظيفة الَّتي هي من أجلّ الوظائف ، وليشكر ما أولي من المعروف وأسدي إليه من العوارف ، وليبذل جهده في صلاح الأحوال ، وتثمير الأموال ، وتقرير القواعد على السّداد ، وإجراء العوائد على وفق المراد ، فإنّه ممّن دلَّت خبرته على جميل آثاره ، ولاحت الغبطة في اختياره الَّذي أغنى عن تقديم اختباره ؛ كيف لا ؟ وهو ممّن نشأ في خدور فنون الكتابة ، واشتهر في مواطن النّضال مع وفور الانتقال بحسن الإصابة ؛ فهو إن شاء الإنشاء بلغ منه المرام ، وإن بسط الجرائد للتّصرّف قيل : هذا الكاتب النّظَّام ؛ كم له من يد بيضاء في التّبييض والتّسويد ، وهمّة علياء بلغ بها من السّيادة ما كان يريد . فليقدّم خيرة اللَّه تعالى في هذا الأمر ويجعلها إمامه ، وليتمسّك بها مقتديا بمن قدمها أمامه ، وليكن عند حسن الظَّنّ به ليبلغ من سعادة الدّارين مرامه . والوصايا الَّتي يعمّ نفعها ، ويتعيّن على تناسب الأعمال جمعها ، به تسلك سبلها ، وعنه تؤخذ تفاصيلها وجملها ؛ فليسلك منها الأقوم الأرشد ، وليتمسّك بالأقود الأحمد ، بحزم وافر ، وعزم غير قاصر ؛ وليتناول معلومه الشاهد به الديوان المعمور أحيان الوجوب والاستحقاق رزقا دارّا ، هنيّا ميسّرا سارّا ، من غير تقتير ولا تكدير ، ولا تنغيص ولا تأخير . توقيع بمشيخة المقام الأدهميّ ، كتب به باسم الشيخ « عبد اللَّه السطوحيّ » ب « المجلس العالي » ؛ وهو : أما بعد حمد اللَّه الَّذي سقى محلنا بإيابه ( 1 ) ، وأنبت عشبنا بسحابه ، وأقرأنا كتاب وجهه وأغنانا عن وجه كتابه ، وجعل لكلّ مقام مقالا من صدق

--> ( 1 ) في حديث عكرمة قال : كان طالوت أيّابا . قال الخطابي : جاء تفسيره في الحديث أنه السقّاء . ولم نعثر في كتب اللغة الَّتي بين أيدينا إلا على هذه الإشارة الَّتي توضح معنى مناسبا هنا . ( انظر اللسان : 1 / 221 ) .